الشيخ المنتظري
103
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
بالعلم التفصيلي المستند إِلى الدليل في جميع المسائل ، بل يكتفون بالعلم الإجمالي أيضاً . كما لا يتقيّدون بما لا يحتمل فيه الخلاف أصلا ، بل يكتفون بالوثوق والعلم العادي أيضاً ، أي ما يكون احتمال الخلاف فيه ضعيفاً جداً . وليس في هذا تعبّد أصلا ، لعدم التعبّد في عمل العقلاء بما هم عقلاء . فإذا فرض أنّه في مورد خاص لم يحصل لهم الوثوق الشخصي بقول أهل الخبرة لجهة من الجهات - كما ربما يتّفق ذلك في المسائل التفريعيّة الدقيقة الخلافيّة - فإن لم يكن الموضوع مهمّاً وجاز فيه التسامح أمكن أيضاً العمل رجاءً . وأمّا إِذا كان الموضوع من الأمور المهمّة التي لا يتسامح فيها كالمريض الدائر أمره بين الحياة والموت مثلا فلا محالة يحتاطون حينئذ إِن أمكن ، أو يرجعون فيه إِلى خبير آخر أو شورى طبيّة مثلا . ولا يخفى أن مسائل الدين والشريعة كلّها مهمّة لا يجوز فيها التسامح والتساهل . وبالجملة ، فالملاك في بناء العقلاء وعملهم حصول الوثوق الشخصيّ . وليس هذا تقليداً تعبديّاً ، بل هو علم عادي بنحو الإجمال يكتفي به العقلاء . وبعبارة أخرى ، إِن كان التقليد عبارة عن العمل بقول الغير من دون مطالبة الدليل فهذا يكون تقليداً ، وأمّا إِذا كان عبارة عن الأخذ بقول الغير تعبّداً فعمل العقلاء ليس تقليداً ، إِذ ليس بينهم تعبّد . ويجري ما ذكرناه في جميع الأمارات العقلائيّة التي لا تأسيس فيها للشارع ، فإنّ العقلاء لا يعتمدون عليها إِلاّ مع حصول الوثوق والعلم العادي . فإن قلت : المعتبر في إِحراز الواقعيّات وإِن كان هو الوثوق الشخصي والعلم العادي ، ولكنّ بناء العقلاء في مقام الاحتجاج الدائر بين الموالي والعبيد هو الاحتجاج بقول الخبير الثقة مطلقاً ، فلا يسمع اعتذار العبد في مخالفته لقول الخبير الثقة بأنّه لم يحصل له الوثوق شخصاً .